كمان مرة في الجامعة

جميع أصدقائي يعرفون المشاعر السلبية التي أحملها تجاه الجامعة الأردنية، وربما السبب في هذا تلك التجرية غير المثمرة التي مررت بها أثناء دراستي الجامعية، أما هذه المرحلة، فهي مرحلة ممتعة بكل المقاييس وعلى كافة المستويات، إنها بالفعل مرحلة التوتر الإيجابي والقلق المنتج اللذين تحدث عنهما مالك بن نبي في كتبه.

وبالفعل، ذهبت البارحة إلى الجامعة لأشارك في نقاش لواحد من الكتب اللطيفة التي كتبها مالك بن نبي، وعنوانه تأملات، وهو مجموعة محاضرات ألقاها في بعض العواصم العربية. كان النقاش بسيطاً، كان الحضور من شباب وفتيات الحراك الإسلامي في الجامعة على الأغلب، وكان الطالبات يجلسن منفصلين عن الشباب، حتى إنني لم أتمكن من رؤية بعضهن أثناء النقاش لأنهنّ فضلن الجلوس في الخلف في صف ثانٍ، وأنا أحترم هذا الخيار وإن كنت أرى أن الحساسية المفرطة التي يتم التعامل معها مع موضوع الاختلاط في الجامعة قد بلغت حداً مرَضياً عند البعض. بدأت الجلسة بإدارة أحد الطلاب، وهو صديق لي أيضاً يدعى قاسم زيدان، وكلانا يشترك باسم العائلة، وهكذا ربما توطدت العلاقة بيني وبينه. قاسم من الشباب الذين يعيشون كذلك في مرحلة القلق أو التوتر المنتج، فهو شخص بدأ يتساءل في العديد من المسلمات التي تحكم حياته الفكرية والعملية، خاصة ما يتعلق منها بالإطار الفكري الإسلامي الذي ترعرع فيه، فلم يعد يتناول قضايا مثل الخلافة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية، أو التطبيق الحرفي للشريعة، أو الديمقراطية والتعددية، بشيء من التقليد المتوارث، وإنما قرر أن يخرج من دائرة الراحة الفكرية التي يعيشها ليمر في مرحلة من التوتر الفكري التي يرغب أن يصل بعدها إلى أفكار جديدة، سواء كانت موجودة هناك في الخطاب العربي المعاصر أو لا.

غير أن في النقاش عادة “كلاش”، وهذا التدافع في النقاشات الكتابية أمر جميل، لأنه يدل على أننا قادرين على استماع آراء جديدة، والرد عليها بملكتي الفكر واللغة، بدلاً من التفاعل السلبي معها والسكوت الماكر عنها، مما يتولد عنه الحقد والضغينة في المستقبل، وفي الحالات المتطرفة إلى الهجوم المادي أو القتل، كما هو الحال عند الأصوليين من السلفيين الجهاديين في كل مكان، وغيرهم من المتطرفين في جميع الثقافات.

من الجوانب الأساسية التي دار النقاش حولها قضية الفردية واحترام الذات. كان الرأي الذي طرحته هو بالرغم من أننا مجتمع إسلامي يؤمن بأن الإنسان مكرم معزز، إلا أن احترام الذات على المستوى الشخصي غير موجود، حتى عند الكثير من الملتزمين بالإسلام. وليس أدلّ على ضعف احترام الذات من انعدام الإنتاج والفعالية، حتى على المستوى الشخصي. فإن سألت مثلاً عن المهارات التي يمتلكها لم تجد شيئاً، إن سألت عن شبكة العلاقات الاجتماعية المفيدة لم تعثر على أحد، إن سألت عن عدد الكتب والقراءات والبحوث الجادة التي أجراها، أو أجرتها، تصاب بالإحباط، وكل هذا في رأيي دليل على انعدام أدنى شعور بالذات والفردية. وهذه هي المرحلة الأساسية في أي جهد إصلاحي مثلاً، بل وهي المرحلة التي توفر العديد من الوقت والجهد في هذا الجانب، لأننا إن عثرنا على الأشخاص الذين يحترمون ذواتهم فإننا سنجد عندهم بالضرورة مهارات معينة وإنجازات يمكن البناء عليها، باختصار، فإننا سنمتلك قاعدة بشرية يمكن التأثير بها ومن خلالها بشكل بسيط وسريع.

تناولنا قضية التوتر الإيجابي والسلبي، والانتحار الصوفي (وهو ظاهرة مماثلة للانتحار الذي نشهده في المجتمعات المتقدمة، لأن المجتمع في الحالتين يخسر فرداً) وتحدثنا بعدها عن المسوّغات وأهميتها كدافع للعمل، ومن أجمل القصص التي قرأتها في الكتاب قصة يهود الجزائر في الأربعينيات حين منعوا ومنع أطفالهم من الحق في التعليم، فما كان من المجتمع اليهودي هناك إلا أن اجتمع وطلب من المتعلمين أن يفتحوا بيوتهم للأطفال والشباب ليتعلموا ويدرسوا، وهذا ما حصل، فبجهد تطوعي بعيد عن الانفعال والعاطفة، حققوا مرادهم حتى انتهت حالة القمع التي كانوا يعيشون فيها. وتحدث ابن نبي عن أن مثل هذه الثقافة لم تكن موجودة عند المسلمين مثلاً. هذه القصة جعلتني أطرح في ذهني العديد من التساؤلات عن طبيعة الإسلام بشكل عام، وطبيعة الإسلام الذي نعيشه مسلمين في هذا العصر.

طرح ابن نبي مثالاً آخر على اختراع الاسطرلاب الذي نفتخر ليل نهار بأن المسلمين هم الذين اخترعوه، إلا أنه أضاف قائلاً إن المسلمين لم يستخدموه كذلك، لأن خرافة دينية كانت تقول إن الكون قائم على قرن ثور أو شيطان، أما كولومبوس فلم يأبه لشيء من هذا وانطلق ليكتشف العالم الجديد.

في النهاية، كانت مناقشة الكتاب فرصة متميزة حتى نتكلم ونتبادل الأفكار، وأنا متأكد أنني سأشارك دائماً في هذا النادي إن شاء الله.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s