مع دانتي

أتحدث أحياناً كثيرة بين ذاتي وبيني عن أهم ما يمكن لطالب في المرحلة الجامعية أن يحيط به “قراءةً”، وأتحدث أحياناً أخرى مع أصدقائي عمّن قرأنا لهم من الكتّاب والأدباء محلياً وعربياً وعالمياً، فأشعر أولاً بإطار يفرض نفسه بطريقة لم أتنبه إليها من ذي قبل، كما أشعر في الوقت ذاته بأن هذا الإطار من نوعٍ مطاطي مرن، ولكنه لا يتسع ويتمدد إلا بحركة واعية وباتجاه محدد. ولعل الحديث عن دانتي، في عصرنا هذا، أمرٌ له من الأهمية والصلة ما ليس لغيره من الأعمال العظيمة التي وصلتنا من القرن الرابع عشر، من تراث المسيحية العظيم، في مراحل المخاض العسير الأخيرة، للخروج من ظلمات الجهل في أوروبا إلى فسحة نور النهضة الأولى هناك، بعد أن رشفت أوروبا من معين الحضارة العربية الإسلامية.

تنقسم الكوميديا الإلهية (لاديفينا كوميديا) التي أبدعها دانتي إلى أقسام ثلاثة، وهي مراحل رحلته التي قام بها في الممالك الإلهية: الجحيم والمطهر والفردوس، غير أن إبداعه في الجحيم كان استثنائياً، حتى أصبح عنوان “جحيم دانتي” يشير ضمناً إلى الكوميديا الإلهية، فصارت الجحيم عَلَماً على العمل بأكمله، وكثير ممن يتحدثون عن “الجحيم” فإنما يشيرون إلى الكوميديا الإلهية بأقسامها الثلاثة: الجحيم والمطهر والفردوس.

وما أرغب أن أنقله في هذه الصفحات ترجمة مقال ورد في الملحق الأدبي للتايمز (Times Literary Supplement) والتي كتبها روبرت بنسكي عام 1996 حول دانتي وترجمتها في اللغة الإنجليزية. وإن في ثنايا هذا المقال ما يغني عن كثير من بيان وتوضيح لوزن الترجمة وأهميتها عند الأمم.

 

 

جحيم دانتي

روبرت بينسكي

(ملاحظة: هذه ترجمة أجزاء من المقالة وليس المقالة كاملة)

“لقد انتهى سي إتش سيسون من ترجمة الكوميديا الإلهية، وهذه هي الترجمة الحديثة الثانية لقصيدة دانتي، والتي تضيف جديداً إلى فهمنا لهذا العمل الأدبي. وقد امتازت هذه الترجمة بتجنبها التقعر في اللغة، والذي بدا واضحاً في الترجمات السابقة، وبهذا جاءت مناسبة لذوق القارئ في العصر الحديث.

قد قيل إن على كل جيل أن يترجم الأعمال الكلاسيكية بما يتناسب مع الأذواق الطارئة الخاصة به. وإن الجيل الحالي قد أنتج أربع ترجمات كاملة للكوميديا وهي ترجمة سيسون (1980) وترجمة ألين ماندلباوم (1980-82) ومارك موسى (1971-84) وتوم فيليبس (1985)، أضف إلى هذا ترجمة القصيدة الأولى (الجحيم) والتي ترجمها ستيف إليس (1994) ومؤخراً ترجمة الشاعر الأمريكي روبرت بنسكي. وتكشف لنا هذه الترجمات العديدة، على ما أظن، الأهمية الاستثنائية لدانتي في عصرنا هذا، كيف لا وقد كان دانتي في نظر باوند وإليوت الشاعر المثالي، وهو الذي أنار لهم السبيل ليخاطبوا أبناء جيلهم من خلاله، وسار على هذه السيرة غيرهما من الشعراء، من أمثال سيسون وهيني وتوم جون وروبرت دنكان. ولربما يكمن تحليل هذه الحالة في سببين: أولاهما تلك السمات التي وردت في شعر دانتي، والتي تقترب كثيراً من سمات الشعر الحديث؛ وذلك من ناحية الاقتصاد اللغوي، والتي أشار إليها ديفي، وأضف إلى ذلك الإيقاع الخشن (harsh rhyme)، والتركيز على المعيّن، والسرعة والصراحة، بل وشيء من الفظاظة في بعض الأحيان، فلم يرَ أي غضاضة بتصوير نفسه في أتعس حالاتها. أما السبب الثاني فهو تلك الأفكار التي ترد في شعره وتبعث فينا شعوراً من الحنين: إحساساً بالإدراك الشامل، إحساساً بالنظام الكوني، والذي نرنو إليه بأنفسنا ونعجز عن الوصول إلى كنهه. وقد أصاب عزرا باوند حين قال معلقاً على الأنشودة التي كتبها:

أنّى لأناشيدي أن تكون كمعراج دانتي

ولكنها تنحرف مع الريح

والعجيب أن هذا الحسّ الكوني يصبح هو نفسه معياراً نكتشف به مقدار التشتت وانعدام الاستقرار في حياتنا. ولكنه مع هذا يقدم لنا إطاراً يتسع ولا يضيق.

إن تعدد الترجمات التي صدرت مؤخراً للكوميديا الإلهية يعكس التعددية الحديثة، ويمكننا أن نعدّ هيني وسيسون على طرفي نقيض. فالأول يفضل عذوبة الصياغة- فهو لا ينسى إغواء الموسيقى الشعرية عند دانتي وكثافة التصوير المركبة في شعره. أما الآخر فيفضل الصراحة وعدم المواراة، وشيئاً من التمرد الفج. والحقيقة أن كل مترجم لا ينقل إلا جانباً واحداً من عمل المؤلف، وهو ذلك الجانب الذي عادة ما يعكس نظرة المترجم للنص. وتجدر الإشارة إلى أن ترجمة مثل هذه الأعمال الطويلة، كالكوميديا الإلهية، ينجم عنها تفاوت في جودة الترجمة بين الأقسام المتعددة للعمل. فهذا سيسون، على سبيل المثال، يقدم لنا نموذجاً مثالياً حين تداخلت بعض المواضيع التي طرحها دانتي مع اهتمامات المترجم نفسه، حينما عبر دانتي بصراحة مندفعة عن شعوره الوطني المكلوم، بينما لا تظهر الحماسة ذاتها عند المترجم عندما تتحدث القصيدة مثلاً عن الطراز المعماري البديع. أما هيني (Heany)، فيتحدث في ديوانه (يوجولينو) عن التراجيديا الإيرلندية والسمات القَنبلية للشعر. ولكن ربما وقفت ذائقة الكلمات عند هيني في طريق السرد الروائي عند دانتي.

ولا عجب في أي شيء مما ذكرناه على الإطلاق، فالحال هي هي منذ القدم. يقول إيفز بونيفوي: “يواجه المترجم في عمله مقداراً جماً من التناقضات التي لا يجد لها حلاً، ولا يجد سبيلاً إلا أن يقدم على الكثير من التضحيات”. وكلمة “التضحية” هي الكلمة المناسبة في هذا السياق، وهي تدل في واقع الأمر على وجود خيارات مؤلمة، يترتب عليها ما يترتب من نتائج إيجابية- ولربما تكون النتيجة المثلى هي إعادة إحياء القصيدة بشكلها الجديد. ولا ريب أن ترجمة قصيدة بطول الكوميديا الإلهية وبمستوى تعقيدها يتطلب أن يمتلك المترجم ارتباطاً عميقاً بها، وحتّى هذه الرابطة لن تحول دون أن يتخلى المترجم في بعض الأحيان عن بعض تلك الأمور التي حركته في القصيدة في المقام الأول، مثل انقطاع التركيب النحوي بين السطور الشعرية (Enjambment)، أو ذلك الانحناء الإيقاعي (rhythmic curve)، أو تلك المتلازمات اللفظية (collocations)، والارتباط الدلالي (association) والغموض في الشعر (ambiguity)، والفوارق الدقيقة في المعنى (nuance). وأصعب ما تكتنف هذه القضية هو أنه يلزمك أن تهدم شكل البناء الأصلي للقصيدة كيما تخلق مقابلاً لها بالعربية أو غيرها. وقد تقرأ بعض الهراء هنا أو هناك عن ضرورة ترجمة الشعر مع التقيد التام بالوزن الشعري، ولكن أنّى للمترجم أن يقوم بهذا!، لأن لكل لغة نظمها الشعري الخاص بها. فبالرغم مثلاً من أن التقطيع الإحدى عشري في شعر دانتي يشابه التفعيلة الخماسية في الشعر الإنجليزي في العديد من النواحي، إلا أنها لا تماثلها إلا بالطريقة التي تماثل بها ترجمة بونيفوي (Bonnefoy) لقصيدة فينوس وأدونيس لشكسبير. إن استخدام التقطيع الخماسي (Pentameter) هو بلا شك الخيار الأمثل عند الترجمة إلى الإنجليزية، وذلك ليس لأن التقطيع الخماسي هو الخيار الأساسي في اللغة الإنجليزية وحسب، بل لأنه، وكما أثبت لنا مؤخراً ستيف إليس بعد أن لجأ إلى النظم الحر، يمكن للخيار الأبعد أحياناً أن يقدم لنا أفضل النتائج.

إن التركيب النحوي الإنجليزي أكثر تكثيفاً من النحو الإيطالي، ولذا يعمد المترجمون (أو معظم المترجمين) الذين يسعون إلى امتثال السمة الخطية للتركيب النحوي عند دانتي أن يتوسعوا في جانب الكلمات على حساب التركيب النحوي. (وهنا يظهر حسن اختيار إليس للسطر الشعري القصير الحر). ويظهر كذلك أن المترجمين الذين اتبعوا التفعيلة قد ألحقوا تشويها واضحاً بالتركيب النحوي، وترتب على هذا خلل في اختيار المفردات وتأثير على سهولة الحركة في القصيدة. وفوق هذا وذاك، لا بد من الإشارة أن تأثير التفعيلة في الشعر الإيطالي تختلف كمّياً عن التفعيلة في الشعر الإنجليزي، لأن التفعيلة في الشعر الإيطالي تكون دائماً مؤنثة (أي توافق مقطعين أو أكثير Feminine Rhyme) ، أما التفعيلة في الشعر الإنجليزي فتكون غالباً مذكرة (أي توافق مقطعاً واحداً فقط Masculine Rhyme). فإن تجلت لك هذه الحقائق جميعها فلا بدّ فسيظهر لك أن هذه مشكلة لا حل لها.

ولكن كيف لا يمكن ترجمة دانتي، وجزء من شعره يبدو لنا أنه يتجاوز قيود اللغة ذاتها؟ كيف لا يمكن ترجمة ذلك الاندفاع السردي في شعره، أو تلك السمات الدرامية فيه، أو شخصياته، أو تلك التشبيهات الحية المتناثرة فيه، كل هذه الأمور لا بد أن يكون لها وقع عند كل من يقرؤها. ومن نافلة الكلام أن نذكر بأن الثقافة الإنجليزية في مئتي سنة خلت، قد تشربت من معين دانتي حتى ارتوت، ولم يحصل هذا مثلا مع جوته أو راسين أو بوشكين، وهم أصعب من لا يمكن ترجمتهم. ولربما يعزى هذا إلى جودة الترجمات الموجودة في الإنجليزية، سواء حكمنا عليها بالوفاء للأصل أو لا، ويتجلى هذا في سريان عبارات دانتي باللغة الإنجليزية على ألسنة وأقلام المتعلمين، من مثل “Midway upon the journey of our life”، و “All hope abandon, ye who enter here”، و “That day no further did we read therein”، و “In his will is our peace” و “The love that moves the sun and the other stars”، وسبب انتشار مثل هذه العبارات بالإنجليزية هي أنها تبدو طبيعية لمن يقرؤها أو يسمعها، حتى ليكاد ينسى أنها مترجمة في المقام الأول، ولكن المترجم الذكي هو الذي يستطيع تمييز الأمور الأكثر وضوحاً. والعجيب أن معظم العبارات التي أشرنا إليها هي من ترجمة قام بها إتش دبليو لونجفيلو (H.W Longfellow)، وهي نسخة ربما تنتشر في الولايات المتحدة أكثر من انتشارها في بريطانيا. وبالرغم مما تعاني منه هذه الترجمة من أسلوب قديم مهجور في بنية الشعر الحر فيها، ولكن الغريب أنها تتميز بالجزالة في بعض الأحيان، بل وسهولة الحفظ أيضاً، كما يظهر من العبارات التي ذكرناها. ولعل الفضل يعود لمثل هذه الترجمات الإنجليزية التي جعلت لشعر دانتي هذه الأهمية في الثقافة الإنجليزية.

ولكني أرى أن أفضل من ترجم دانتي هو إتش إف كاري (H. F. Cary)، ولعله من أوائل من دخل مضمار دانتي في الترجمة. ويذكر أن الشاعر كوليردج هو الذي وقع على هذه الترجمة والتي كانت بعنوان “رؤيا دانتي” (The Vision of Dante) حيث التهمها التهاماً، هو وأقرانه من الحركة الرومانسية…. يتبع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s