مترجم على الخشبة

مترجم على خشبة

آذار 2011

“إن المسرح أعظمُ أشكال الفنون والسبيل الأقصر لأن يعبّر الإنسان لأخيه الإنسان عن معنى الإنسانية.”  أوسكار وايلد

في وقت مبكر من شهر فبراير\شباط 2011، وجدت رسالة في البريد الوارد على صفحتي في الفيس بوك تطلب مني أن أكون مترجماً لورشة عمل للتدريب المسرحي على بعض أعمال شكسبير لمدة أربعة أيام، وأحاطني ذاك الشخص العزيز علماً بأن الأجر سيكون زهيداً لا كالأجور المعتادة التي يحصل عليها المترجمون في مثل هذه الأعمال. لم أجد بدّاً من الرد بنعم، لأني وددت أن أقدم خدمة لهذا الإنسان وأعزز علاقتي به، لأني لم أكن أعرفه حقّ المعرفة، إذ لم ألتق به من قبلُ إلا مرة واحدة، ودار بيننا حديث جانبي قصير عن الترجمة والتأليف والنشر، وانتقلتِ المعرفة إلى ميدان الفيس بوك وتسمّرت هناك.

لم أكن أعرف شيئاً عن المسرح، وحتّى شكسبير، لم تكن علاقتي به وطيدة حقّا. قرأت له عدة مسرحيات، نعم، ولكنّي لم أشعر بدراميتها كما يجب، ولم أحلل شيئاً منها، ولم أدرسها، ولم أقرأ مسرحه كاملاً ولم أستقصيه من قبل. قرأت بعض المتَرجَمات، وقرأت شيئاً من دراسات أعدها محمد عناني من مصر كمقدمات لترجماته، وقرأت شيئاً عن ذلك أيضاً في كتابات محمد عصفور من الأردن. باختصار، لم يكن المسرح جزءاً مُعرّفاً لشخصيتي قبل ذلك، وإن كنت كثيراً ما أدّعي، معتمداً على شعوري وعاطفتي، أن المسرح قوت صحيّ للشعوب، غني بالمكونات التي ترفد العقل والعاطفة بما هو غائب من المشاعر والأفكار في غمرة هذه الحياة التي بات “القرش” فيها وحشاً مهيمناً، حتى قبل النوم على الفراش، وقبل الأكل مع الأولاد، وقبل شراء الكتاب من كشك الثقافة، وقبل أن ينزل المواطن على مسيرة سلمية عند الجامع الحسيني. إلا أن ذلك كان محض شعور داخلي لم أرَ مصداقاً له على أرض الواقع، حتى جاءت هذه الفرصة، ودعيت إلى الترجمة في ورشة العمل هذه.

كنت وأنا أترجم لهذه الورشة أشكّل انطباعات واسعة عن المشهد الذي أراه أمامي؛ شبابٌ أكبُرُهم بأعوام قليلة، تشعر مما يظهر أمامك أن لا شيءَ قادرٌ على أن يجعل لهم صوتاً واحداً، وحركةً متناسقة، وأداءً ناجحاً على خشبة المسرح؛ فهذا من الجنوب وهذه من الشرق، وهذه من المدينة وهذا من البادية. غير أن كل شيء يتغير على المسرح.

رأيت أن تلك الصلة التي قامت بين هؤلاء الطلبة وهم يمثلون أدوار هاملت أو أوفيليا، أو روميو أو جولييت، أمر في غاية الجمال والتأثير. رأيت هؤلاء الشباب وقد امتلكوا الجرأة على تغيير هاملت إلى سليمان وجولييت إلى ليلى، فابتكروا شخصيات جديدة وسياقات من واقعهم وحياتهم وثاروا على النصوص والشخصيات، وقالوا: ها نحن ذا على المسرح، هذا فنّ، والحرية هي زادنا.

كنت أشعر بهذه الفلسفة الكامنة في صدور هؤلاء الممثلين الشباب، وأمدّني ذلك بشعور فريد من الانتعاش والأمل، والحزن؛ الحزنِ لأني أخشى، إن ظلَّ المسرح في وطني مغموراً مطموراً، أن نخسر إبداعهم وأملهم، أن نُحرم من حريتهم وثورتهم، وأن يقولوا بعد سنين: المسرح لا يطعم خبزاً ولا يكسو ولداً.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

 

فكرة واحدة على ”مترجم على الخشبة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s