على قد لحافك

لا بد من معرفة ملابسات القضية لنفهم الصورة بشكل أوضح.

كنت جالساً في يوم العاشر من كانون الثاني في إحدى القاعات مع مجموعة من الزملاء لامتحان في مادة نظريات الترجمة. كان الامتحان غريباً، ولم أكن مكترثاً حقاً فيما أكتب أو في العلامة التي سأحصل عليها لأنني كنت قد صدمت مما لاقيت في امتحان منتصف الشهر الذي لم أحصل فيه إلا على 20 من أصل 30 علامة.

وطلب منا الأستاذ ونحن نقدم الامتحان أن ننظر إلى ورقة وندورها فيما بيننا كانت إعلاناً عن محاضرة ستلقيها باحثة كندية عن الترجمة وتدريسها في الجامعات الكندية، وكان الكتاب بمثابة دعوة للأساتذة أن يخبروا الطلبة بهذا الحدث المهم.

وجدت في نفسي تحمساً للذهاب إلى المحاضرة لسببين. لأنني كنت في هذه الفترة راغباً في تعزيز فكرة العلاقات العامة والدخول في معارف جديدة مع أناس أكاديميين أو طلبة متميزين، لأنني شعرت بأنني مقبل على مرحلة ولا بد لي من استغلال هذه الجوانب بشكل إيجابي، وأن أمرن نفسي على هذه المواقف لأنني في العادة لا أهوى هذه الاجتماعات، وكنت قبل فترة أكثر خجلاً وتخوفاً منها. والسبب الثاني أنني وجدتها فكرة متميزة لا بد من دعمها والتشجيع عليها، ولو من باب الحضور- وتكثير السواد (كي نقدم صورة مشرقة عن الحالة الأكاديمية بين طلبة الجامعات)

كان من المقرر أن تبدأ المحاضرة الساعة الثالثة عصراً في مدرج الكندي في كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولكنني وصلت قبل خمس دقائق وكان يجب أن أصلي العصر، فذهبت إلى مصلى الظلال، وهو كغيره من أماكن الصلاة في هذه الكليات لا يليق إلا بأن يكون مكان نوم كما يفعل الكثير من الطلبة وموظفي الخدمات في الكلية، حيث ينام بعضهم لمدة ساعة في كل يوم في هذا “المصلى”.

صليت على عجلة من أمري ظناً مني أنني قد لا أجد مكاناً في تلك القاعة، ومن ثم توجهت هنالك لأرى نفسي سادس خمسة في مدرج كبير ربما يتسع لمائة شخص أو أكثر، والخمسة هؤلاء هم من عميد الكلية وأربع اساتذة.

كانت محاضرة قصيرة لم تتجاوز نصف ساعة من الزمن، ورحت أقارن بين تدريس الترجمة في بلادي وبلاد الكنديين المستعمَرين من الفرنسيين والإنجليز سابقاً، فوجدت العجاب الذي يمكنك التعامل معه بطرق عدة، منها أن تُكبرَ تلك الإنجازات الأجنبية وتقضي أسبوعاً أو أسبوعين وأنت تتحدث لأصدقائك وأمك العجوز عنها، أو أن تبدأ بندب حظك الذي انتهى بك بدراسة الترجمة في جامعة عربية، أو إذا كنت من أصحاب النفوذ أو الهمة العالية، ستبدأ بالبحث عن السبل التي يمكن من خلالها جعل تلك الأمور الإيجابية واقعاً في الجامعة التي أنت فيها، وهذا الأخير على الأغلب مستحيل، إن لم يعده البعض تخلفاً لا داعي له، لأنه “على قد لحافك مد رجليك”، أو كما تقول العرب: “أربع على ظلعك”.

من الأمور التي نالت إعجابي ببرنامج الترجمة التي تطرحه الجامعة التي أتت منها المحاضرة هو أن هنالك تقسيماً ثلاثياً منهجياً للمواد التي تطرح، أولها مرحلة معقولة يطلقون عليها “الاستعداد للترجمة”، وهو مرحلة مكثفة يتم الحرص خلالها على أن يمتلك الطالب كفاءة عالية ومهنية في كلا اللغتين التي يتعامل معها، وبالأخص لغته الأم في مهارة الكتابة. كما يجري الطالب في هذه المرحلة بعض الدراسات المقارنة بين اللغتين (وهما الفرنسية والإنجليزية في تلك الجامعة)، مع تركيز على مهارات الاستيعاب في كلا اللغتين والتحليل اللغوي الدقيق.

ويتنقل الطالب بعد ذلك إلى المواد الأساسية في البرنامج وهي مواد عملية غالباً في الترجمة والترجمة المتخصصة ببعض المجالات المعرفية.

أما القسم الثالث من المنهاج فهو بعض المساقات الضرورية النظرية والعملية، كدراسة علم المعاجم مثلاً، وبعض المساقات في الكتابة المتخصصة وعملية مراجعة الترجمة والتدقيق اللغوي وما شابه ذلك.

ومما يتميز به هذا البرنامج (وهو لطلبة البكالوريوس) هو ضرورة أن يتلقى الطالب تدريباً عملياً لمدة 3 أشهر في مؤسسة مهنية معتمدة للترجمة، يتم أثناءها متابعة الطالب وأداءه ومساعدته على أن يجد موطأ قدم في سوق العمل. وهي تجربة كما قالت فريدة ومتميزة وقد نالت إعجاب الطلاب الذين يرجعون إليها في مكتبها عادة ويقولون لها أنهم استفادوا من التدريب العملي أضعاف أضعاف ما تعلموه من الدروس النظرية داخل القاعة.

ما زال برنامج الترجمة في الجامعة الأردنية بسيطاً جداً، ولا يوجد جيل من المتخصصين في الترجمة والممارسين لها في الجامعة حتى نقول بأن لنا مدرسة متميزة في هذا المجال، ما خلا ثلاثة أو أربعة من الأساتذة الذين نستفيد منهم حقاً، إلا أن وقتهم وسنهم يحولان دون أن يكون لهم أثر حقيقي على توجيه الواقع الأكاديمي لهذا التخصص.

أتمنى أن يستحدث قسم العربية مكتباً للترجمة ومتابعة النظريات المعاصرة لها، لأنني أؤمن أنه لا بد من تدريس الترجمة في قسم اللغة العربية، ومتابعة الأعمال المترجمة فيها، لأن ما يترجم من الأعمال، خاصة الأدبية، يصبح في عداد أدبنا العربي، والمسؤولية تقع على عاتق دارسي العربية لتوجيه هذه العملية في الوطن العربي وترشيدها والنهوض بها.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s