مراقب في امتحان

كنت في بهو القسم في يوم الثامن من كانون الثاني 2010- وهو العام الأول الذي بعث في نفسي شعوراً غريباً لم يكن بأي شكل يبعث على الراحة- فنادى علي أحد الأساتذة من أيام البكالوريوس في الجامعة الأردنية، وقال: الحمد الله، أريدك اليوم معي الساعة الرابعة، ليس لديك شيء، أنا متأكد، أرجوك كن جاهزاً الساعة الرابعة.!

تعحبت من أسلوبه في طلب هذا المعروف مني، ولكني سألته عما يريد، فأجاب أنه يريد مني أن أساعده في مراقبة امتحان لديه وفيه على ما يبدو عدد كبير من الطلاب. وافقت على مساعدته، ولكني أخبرته أنني أملك ساعة واحدة فقط حيث كنت أنا الآخر على موعد مع امتحان في مادة النصوص المقارنة.

ذهبت إلى مجمع الكليات الإنسانية في القاعة 19 في الطابق الثالث، فدخلت وسلمت عليه وأخذت أنظر في وجوه الطلبة الذين أعرف بعضهم وبعضهم يعرفني ولا أعرفه. وكان أول ما وقع نظري عليه فتاة وضعت حقيبتها على حضنها وتفتح شيئاً داخلها وتنظر فيه، فأشرت إليها دون أن يتنبه الدكتور إلى أن تضع حقيبتها في مكان آخر وأن تكف عن فعل ذلك.

لم يكن في قرارة نفسي أي مبرر لأن أقدم على أي فعل قد يجعل أحد هؤلاء الطلبة يكرهني، لأنني لست مسؤولاً عن المادة، ولا أريد أن أخسر ماء وجهي من أجل ذلك الأستاذ، وهو أيضاً لم يكن يستحق ذلك العناء، لأنه أخذ يتكلم بالهاتف الجوال أثناء الامتحان مما أثار امتعاضي وسبب الأذى لكثير من الطلاب الذين عرفت ذلك في ملامح وجههم، ولكنهم كالعادة كانوا يهابون من الأستاذ ولم يتمكن أحدهم من أن يطلب منه أن ينهي المكالمة لأنه كان مزعجاً غاية الإزعاج.

من الأمور التي اكتشفتها في ذلك اليوم هو أن تكون أستاذاً بين طلبة في الجامعة ليس بالأمر السهل أبداً، وخاصة في قاعة الامتحان. كنت أنظر إلى وجوه الطلبة فرأيت عجباً. كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي يتاح لي فيها أن أنظر بتمعن إلى وجوه أناس لا يبعدون عني سوى أمتار معدودة. لم أكن أتوقع أن النظر في وجوه الناس دون أن يعلموا أنك تنظر إليهم أمر في غاية الحساسية والتأثير، وقد انطبعت شخصيات العديد منهم في مخيلتي من مجرد النظر إليهم.

تذكرت إدوارد سعيد، وكنت في القاعة أحمل مذكراته (خارج المكان)، حين أشار أنه كان يحب الذهاب إلى السينما لأنه كان يشعر براحة كبيرة حين يشعر أنه يرى فقط ولا أحد يراه، وقد كان شعوري في قاعة الامتحان قريباً من هذا الشعور.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s