ألف شمس مشرقة

This is an attempt in translating a novel for Khalid Husseini. I wanted to go ahead with the translation، but I lost interest in that، partially after I knew that the novel had been translated to Arabic by Maha Soud. 

Khalid Husseini is an American writer and philanthropist of an Afghani origin. His two novels were international bestsellers.

كانت مريم في الخامسة من عمرها حين طرقت مسامعها لأول مرة كلمة “لقيط”.

كان ذلك يوم خميس حتماً، لأن مريم تذكر تماماً كيف كانت دائمة التوتر والانشغال أيام الخميس من كل أسبوع حين كان جليل يأتي لزيارتها في ذلك  الكوخ. لقد كانت تحاول مريم أثناء انتظارها قدوم جليل أن تجعل الوقت ينقضي بأي وسيلة إلى أن يحين موعد الزيارة المعتاد،  لتراه من جديد من بعد انتظارها له من أسبوع لآخر. كان يأتي من بين الحقول التي يرتفع فيها العشب إلى الركبتين ويلوح بيديه معلناً مجيئه إليها. وكانت مريم في ذلك اليوم وبينما هي تنتظر هذا الموعد قد اعتلت كرسياً وأنزلت أواني الشاي الصينية من على الرف. لقد كانت هذه الأواني القديمة هي آخر ما تبقى من آثار تحتفظ بها نانا، والدة مريم، من أغراض أمها التي توفيت حين كانت نانا في الثانية من عمرها. لقد كانت نانا متعلقة بكل قطعة من هذه الأواني التي يزينها الخزف الصيني الأبيض والأزرق، حتى إنها كانت ترى في انحناءة فوهة الإبريق الناعمة، وأشكال الحسون وأزهار الأقحوان التي رسمت باليد عليها، ورسم التنين على وعاء السكر شيئاً يحرسها ويدفع الشر عنها. وكانت تلك هي القطعة الأخيرة التي سقطت من بين يدي مريم على الأرضية الخشبية في الكوخ وتناثرت قطعاً صغيرة في أرجائه.

رأت نانا ذلك وتغيرت ملامحها تماماً حين رأت وعاء السكر العزيز وقد تكسر، فاحمرت أشداقها وارتعشت شفتاها من الغيظ، وألقت بنظرة ملؤها الحنق بكلتا عينيها، الضعيفة منهما والسليمة، على مريم، وطالت تلك النظرة الخاوية دون أن تحول نظرها للحظة واحدة. استولى الغضب على نانا حتى خشيت مريم أن يتلبسها الجن كما هي عادتها حين تثور، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل، وبدلاً من ذلك قبضت نانا على معصمي مريم وجذبتها إليها جذبة شديدة و صرخت في وجهها وهي تصك أسنانها وقالت: “أنت أيتها الخرقاء اللقيطة الصغيرة، أهذا جزاء ما قدمته لك وتحملت من أجلك؟ أن تحطمي ما تبقى لي من ذكرى أمي أيتها اللقيطة الصغيرة؟”.

سمعت مريم ذلك ولكنها لم تكن لتفهم ما قيل لها في ذلك الحين، فلم يكن لكلمة “لقيط” معنى تدركه فتاة في عمرها، ولم يكن لها أن تدرك مقدار الظلم الواقع عليها وأن أصحاب الخطيئة هم من أتوا بها إلى هذه الدنيا وليست هي التي لا يعدو ذنبها عن كونها ولدت لهم. إلا أن مريم قد فهمت من خلال الطريقة التي تتلفظ بها نانا تلك الكلمة أنه من القبح والعار بمكان أن يكون المرء لقيطاً، فهو كالحشرة أو كتلك الصراصير التي تبتعد مسرعة حين تلعنها نانا وتحاول إخراجها من الكوخ الصغير.

أدركت مريم بعدما كبرت قليلاً كل شيء، وبعد أن كانت الطريقة التي كانت تخرج بها تلك الكلمة من فم نانا وكأنها تبصقها بصقاً في وجهها هي ما كان يجعل مريم تشعر بالجرح العميق الذي تتركه في نفسها، فهي تعي الآن ما تقصده نانا من أن اللقيط منبوذ مطرود وأنها كانت بنت سفاحٍ، وعليه فإنها لا تستحق شيئاً مما يحصل عليه غيرها من حب وتقدير وأسرة وبيت.

لكن مريم  لم تسمع هذه الكلمة من جليل قط، فقد كان يصفها دوماً بأنها وردته الصغيرة وكان يحب أن يجلسها في حضنه ويقص عليها بعض القصص كقصة مدينة هرات حيث ولدت مريم في العام 1959، فكان يخبرها أن هذه المدينة قد كانت في الماضي مهداً للحضارة الفارسية ووجهة للكتاب والرسامين والصوفية، حتى إنه قال لها ممازحاً في أحد الأيام “هل تصدقين أنه كان من الصعب في ذلك الزمان أن تتجولي في شوارع المدينة دون وكز مؤخرة واحد من شعراءها ؟”. ومن ذلك أيضاً ما كان يقصه عليها من نبأ الملكة جوهر شاد التي نصبت المآذن المشهورة في هرات في القرن الخامس عشر كرمز لحبها لهذه المدينة. كما كان يحدثها عن حقول القمح بسنابلها الخضراء وعن البساتين وكروم العنب التي كانت تحمل القطوف الممتلئة، وعن بازارات المدينة بمداخلها المقوسة المميزة.

وقال جليل في أحد الأيام مخاطباً مريم: “أترين يا صغيرتي شجرة الفستق تلك؟ يرقد إلى جانب تلك الشجرة الشاعر العظيم جامي.” قال جليل هذه الكلمات بصوت خفيض كأنه يهمس في أذنها. ثم تابع قائلاً: “لقد عاش الشاعر جامي هنا قبل ما يزيد عن خمسمائة عام. لقد عاش هنا فعلاً وقد اصطحبتك معي يوماً وذهبنا عند هذه الشجرة ولكنك كنت صغيرة حينها ولا تذكرين ذلك”.

وكان جليل محقاً تماماً، فمريم لم تذكر شيئاً من ذلك، وهي وبالرغم من أنها ستقضي أول خمس عشرة سنة من حياتها على مرمى حجر من هرات إلا أنها لن تتمكن يوماً من زيارة هذه الشجرة المشهورة، كما أنها لن تذهب لرؤية مآذن هرات الشامخة في سماء المدينة وتحظى بمشاهدتها عن قرب، أو تقطف بعض الثمار من بساتين المدينة أو تمشي في حقولها. ولكن أحاديث جليل كانت تجذبها دوما وكانت معجبة بما يمتلكه من معلومات كثيرة حول العديد من الأشياء. وكانت مريم لتزهو وتفتخر بأن والدها يعرف كل هذا.

“هذه أكاذيب الأغنياء، يا لأكاذيب المترفين، رجل غني يتفوه بأكاذيب غنية. لا تصدقي ما يدعيه بأنه أصطحبك إلى مكان تلك الشجرة، وإياك أن يسحرك بكلامه المعسول. لقد خاننا جميعاً، والدُك حبيبك. لقد هجرنا وطردنا كالمنبوذين من بيته الواسع الفخم كأننا لا نعني له شيئاً. لقد كان سعيداً حين تخلص منا”.

كانت مريم تسمع لهذا الكلام بانكسار، ولم تجرأ يوماً أن تصرح لنانا عم مدى بغضها لها وهي تتكلم بهذه الطريقة عن جليل. وفي واقع الأمر، لم تكن مريم تشعر أبداً حين تكون مع جليل بأنها بنت حرام، فخلال الساعة أو الساعتين التي يقضيهما جليل كل خميس معها، مانحاً إياها كل البسمات والهدايا والوداد، جاعلاً مريم تشعر بأنها تستحق كل الجمال والعز الذي يمكن أن تقدمه الحياة، ولذلك كان مريم تحب جليلاً.

حتى لو كان ذلك يعني أنه ليس لها وحدها.

كان جليل متزوجاً من ثلاث نساء وله منهن تسعة أطفال، تسعة أطفال بالحلال، لم تعرف مريم أحداً منهم. كان أحد أغنياء مدينة هيرات، وله دار للسينما لم ترها مريم قط، ولكنه وصفها لها بعد أن أصرت على ذلك، فعرفت أن واجهة السينما مبنية من اللبن الأزرق والأسمر المصنوع من الطين، وكان فيها مقاعد خاصة على المنصة وسقف بعريشة. أما الأبواب فكانت بظرفتين متأرجحتين تدخل منهما إلى الردهة المسكوة بالبلاط. وقال لها جليل يوماً أن الأطفال يحصلون مجاناً أيام الثلاثاء على بوظة من منصة البيع في السينما.

ابتسمت نانا برصانة حين سمعت ذلك، واستمرت تنتظر خروج جليل من الكوخ لتتجخ بوجهها الساخر إلى مريم وتقول: “أطفال الناس يحصلون على البوظة، فما نصيبك من ذلك؟ لا تنالين إلا قصصاً عن البوظة”.

وكان يملك جليل إلى جانب السينما أراض في كاروخ وفي فاراه، وثلاثة محال لبيع السجاد، ومتجراً للملابس، وسيارة سوداء موديل 1956 من طراز “بيك رودماستر”. كما كان من أهم أعيان المدينة وله العديد من المعارف، وهو صديق العمدة والحاكم الإداري. كان يعمل لدى جليل طباخ وسائق وثلاث خادمات.

كانت نانا إحدى الخادمات في منزله، إلى أن بدأ بطنها بالبروز أمامها.

قالت نانا أن تلك الصدمة جعلت عائلة جليل تشهق شهقة سحبت الهواء هيرات، حتى إن أنسباءه أقسموا بأن الدم سيراق في هيرات. طالبت زوجاته بأن يرمي بها خارج المنزل، أما والدها البسيط الذي كان يعمل نقاشاً على الحجر في قرية قريبة تدعى جل دامان تبرئ منها، ودفعه العار إلى رزم أمتعته والسفر بإحدى الحافلات إلى إيران، وما سمع منه أحد ولا رآه بعد ذلك.

كانت تتحدث نانا ذات صباح وهي تطعم الدجاجات خارج الكوخ وقالت: “كنت أتمنى أحياناً لو كان والدي يتمتع بالجرأة الكافية ليشحذ سكينه ويخلص نفسه من العار، لكان ذلك أفضل”. وضعت قبضة أخرى من الحبوب في قن الدجاج، وتوقفت برهة ثم توجهت إلى مريم وقالت: “لكان أفضل لك أيضاً، لكنت قد تجنبت الأسى على ما أنت عليه الآن. لكنه كان رعديداً، كان ينقص والدي قلب الرجال ليقدم على ذلك”.

وأتبعت نانا قائلة إن جليل لم يتمتع بقلب الرجال أيضاً ليقوم بما يمليه عليه الشرف. لم يقدر على مواجهة عائلته وأزواجه وأنسبائه ليتحمل مسؤولية ما فعله هو. بل هرب إلى صفقة سريعة تحفظ ماء الوجه خلف الأبواب، قضت بأن يأمرها في اليوم التالي أن تجمع أغراضها من غرفة الخدم التي كان تنام فيها وأن يطردها من المكان.

“هل تعلمي ما قاله لزوجاته ليدافع عن نفسه أمامهن؟ قال لهن إنني أجبرته على ذلك، وأنها كانت غلطتي، أتصدقين؟ أترين؟ هذا معنى أن تكوني امرأة في هذا العالم”.

وضعت نانا طعام الدجاج على الأرض ورفعت بأصبعها ذقن مريم.

“انظري إلي يا مريم”

نظرت إليها مريم مترددة.

وقالت نانا: “احفظي ما سأقوله لك، واحفظيه جيداً يا ابنتي: إن مؤشر البوصلة يتوجه نحو الشمال، وأصابع الاتهام تتجه من الرجل إلى المرأة. تذكري ذلك دوماً يا مريم”.

2

“كنت أنا لجليل وزوجاته كالعشبة السامة، كالحشائش الضارة. وأنت أيضاً، كنت لهم كذلك حتى قبل أن تولدي”.

سألت مريم: “وما هي الحشائش الضارة؟”

أجابتها نانا: “أعشاب تقطعينها من الأرض وترمي بها بعيداً”

قطّبت مريم وجه قلبها، لأنها كانت تعلم أن جليل لم يكن يعاملها كعشبة ضارة، لم يفعل ذلك بتاتاً، ولكنها آثرت السلامة دون أن تعارض ما كانت تتفوه به نانا.

“لكن وعلى عكس العشبة الضارة، كان من اللازم أن أنمو من جديد، فتم تزويدي بالماء والطعام، لأجلك أنت. هذه هي الصفقة التي عقدها جليل مع عائلته”.

وأضافت نانا أنها رفضت العيش في هيرات.

“ولم أعيش هناك؟ وهل ستسعدني رؤيته وأزواجه يتجولون في السيارة حول المدينة طوال اليوم؟”

وقالت إنها لم تكن لتنتقل للعيش في منزل أبيها الفارغ في قرية جول دامان، والذي يقع على تلة منحدرة على بعد كيلومترين شمال هيرات. قالت إنها أرادت العيش في منطقة بعيدة منعزلة، تخلو من جيران يرمون سهام أعينهم إلى بطنها، أو تمتد أصابع السخرية والشماتة إليها، أو أن تتفاقم سوءة الأمر ليصل إلى حد الاعتداء عليها بالشفقة الكاذبة.

قالت نانا: “تأكدي أن والدك كان مرتاحاً لكوني بعيدة عنه ناظره، كان ذلك مناسباً له تماماً.”

كان قرار إقصاء نانا حلاً طرحه محسن، بكر جليل من زوجته الأولى خديجة. لقد كان المنفى في أطراف قرية جول دامان، والتي كان ضريبة الوصول إليها المرور عبر طريق وعر جبلي مليء بالأقذار يتفرع عن الطريق الرئيسي بين هيرات وجول دامان. وكان يمتد على حافتي الطريق عشب طويل يبلغ الركب، ومساحات متفرقة من الورد الأبيض والأصفر الفاتح. ويمتد الطريق المعوج صعوداً حتى الانتهاء إلى حقل مستو ترتفع منه نباتات وأشجار الحور، وتنمو الآجام في أرجاءه بشكل عشوائي. يمكن من على ذلك الارتفاع أن يميز الناظر إلى جهة اليمين أطراف أشفار طاحونة الهواء القديمة في جول دامان، أما الناظر يساراً فيرى مد بصره مدينة هيرات. وينتهي ذلك الطريق بالتعامد مع جدول ماء عريض تعيش به أسماك السلمون المرقط بأعداد كبيرة، ينحدر من جبال صافي دكوه التي تحيط بقرية جول دامان. على بعد مئتي مترٍ نحو الجبال إلى منبع المجرى توجد غييبة دائرية من أشجار الصفصاف ذات الأغصان المتهدلة، وكان في المنتصف بين ظلال أشجار الصفصاف الطريق الممهد نحو الكوخ.

ذهب جليل مرة هنالك ليلقي نظرة على المكان. وقالت نانا إنه حين رجع بدا كأنه سجّان يفاخر بالجدران النظيفة والأسطح اللامعة في سجنه.

“فكان هذا ما بناه والدك لنا، جحراً صغيراً كجحر الفأر أو أصغر”….

فكرة واحدة على ”ألف شمس مشرقة

  1. عندما تكبر مريم وتصبح أنثى ناضجة وتفهم حقيقة ما فعله والدها بها وبوالدتها، وتعيش المأساة الحقيقية لفعلته، كونها لن تحظى بفرصة تكوين عائلة مع زوج وإنجاب أطفال، تراها ستبقى تحب والدها وتحترمه؟؟ هل ستنتظر زيارته؟؟ أو بالأحرى هل ستزوره؟؟

    لا عجب من أن يرتكب البشر الأخطاء.. فهم هكذا جبلوا؟؟ وهذه الطبيعة التي خلق الله البشر عليها.. ولكن العجب كل العجب أن يستطيع قلب الأب أو الأم التخلي عن فلذة أكبدهم لأي سبب كان..

    لا سامحهم الله حتى يصححوا أخطائهم ويعودوا إلى صوابهم..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s